سيد قطب
691
في ظلال القرآن
« إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » . . فأما أولو الأمر ؛ فالنص يعين من هم . « وَأُولِي الْأَمْرِ . . مِنْكُمْ . . » أي من المؤمنين . . الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية . . من طاعة اللّه وطاعة الرسول ؛ وإفراد اللّه - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء ؛ والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء ، مما لم يرد فيه نص ؛ لتطبيق المبادئ العامة في النصوص عليه . والنص يجعل طاعة اللّه أصلا ؛ وطاعة رسوله أصلا كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر . . منكم . . تبعا لطاعة اللّه وطاعة رسوله . فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم ، كما كررها عند ذكر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة اللّه وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم « منكم » بقيد الإيمان وشرطه . . وطاعة أولي الأمر . . منكم . . بعد هذه التقريرات كلها ، في حدود المعروف المشروع من اللّه ، والذي لم يرد نص بحرمته ؛ ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادئ شريعته ، عند الاختلاف فيه . . والسنة تقرر حدود هذه الطاعة ، على وجه الجزم واليقين : في الصحيحين من حديث الأعمش : « إنما الطاعة في المعروف » . وفيهما من حديث يحيى القطان : « السمع والطاعة على المرء المسلم . فيما أحب أو كره . ما لم يؤمر بمعصية . فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة » . وأخرج مسلم من حديث أم الحصين : « ولو استعمل عليكم عبد . يقودكم بكتاب اللّه . اسمعوا له وأطيعوا » . . بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينا على شريعة اللّه وسنة رسوله . أمينا على إيمانه هو ودينه . أمينا على نفسه وعقله . أمينا على مصيره في الدنيا والآخرة . . ولا يجعله بهيمة في القطيع ؛ تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ! فالمنهج واضح ، وحدود الطاعة واضحة . والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد ، ولا تتفرق ، ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون ! ذلك فيما ورد فيه نص صريح . فأما الذي لم يرد فيه نص . وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية ، على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات - ولا يكون فيه نص قاطع ، أو لا يكون فيه نص على الإطلاق . . مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيها . ولم يترك بلا ميزان . ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع . . ووضع هذا النص القصير ، منهج الاجتهاد كله ، وحدده بحدوده ؛ وأقام « الأصل » الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا . « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » . . ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا . فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو ، فردوه إلى المبادئ الكلية العامة في منهج اللّه وشريعته . . وهذه ليست عائمة ، ولا فوضى ، ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول . وهناك - في هذا الدين - مبادئ أساسية واضحة كل الوضوح ، تغطي كل جوانب الحياة الأساسية ، وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوط